السيد محمد تقي المدرسي
442
من هدى القرآن
والذي أختاره أن الكلمتين : « فَقَدَرْنَا » و « الْقَادِرُونَ » مشربتين اثنين من المعاني في آن واحد : أحدهما التقدير بالحكمة والعلم ، والآخر القدرة بالقوة والمشيئة ، ولعمري إن المتفكر في خلقة البشر يجد اسمي الحكيم والقادر متجليين فيها بما لا يقبل ذرة من الشك ، لولا أن الإنسان يجعل بينه وبين الحقيقة حجاب التكذيب بالحق للهروب من المسؤولية ، فله الويل من الله إذا فعل ذلك . « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » وفي الآية ملاحظة لطيفة عند قوله « يَوْمَئِذٍ » فهذه الكلمة ينبغي أن تكون إشارة إلى يوم الفصل الذي أشار إليه السياق في السورة ، وهو كذلك ، بالإضافة إلى إيحاء الكلمة بمعنى آخر ، هو أن تلك الآيات الإلهية المتجلية في الخلقة تهدينا إلى أن الويل للمكذبين ، فأي جريمة كبرى هي التكذيب بحقيقة عظمى كحقيقة الغيب وقدرته وحكمته ! والإشارة إلى ذلك ب - « يَوْمَئِذٍ » هو ترتيب على تلك النتيجة الحاصلة ، إذ لا يعقل أن الخالق الحكيم لا يُقدِّر آخرة بعد الدنيا وذلك من مسلمات الحكمة الأولية . [ 37 - 25 ] من التفكر في آفاق النفس الذي يقود الإنسان إلى التسليم لله والإيمان بيوم الفصل ، تنطلق الآيات موجهة أبصارنا إلى آفاق الطبيعة من حولنا ، فهي الأخرى تعكس أسماء الله وآياته الهادية إلى الحقائق « أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً ( 25 ) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً » والكفات السكن والوعاء ، ففي الخبر نظر أمير المؤمنين عليه السلام في رجوعه من صفين إلى المقابر فقال : هَذِهِ كِفَاتُ الأَمْوَاتِ ] أي مساكنهم ، ثم نظر إلى بيوت الكوفة فقال : هَذِهِ كِفَاتُ الأَحْيَاءِ ثُمَّ تَلَا قَوْلَه : « أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً ( 25 ) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً » ] « 1 » ، وفي مجمع البيان : كَفَتَ الشيءَ يَكْفِتُهُ كَفْتًا وكِفَاتًا إذا ضمه ، ومنه الحديث : اكْفُتُوا صِبْيَانَكُم ] أي ضموهم إلى أنفسكم ، ويقال للوعاء : كفت وكفيت ، وقال أبو عبيده كفاتا : أي أوعية ، وعن قتادة ومجاهد والشعبي : أي تحوزهم وتضمهم ] « 2 » ، والأرض وعاء وسكن للخلائق تضم الناس والأحياء والأموات ، سواء بالمعنى الظاهر أو بالمعنى المجازي للكلمة حيث المؤمنين والكفار ، والعلماء والجهلة . « وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ » قال القمي : جبال مرتفعة ] « 3 » ، ولعل الآية تبين حقيقة جيولوجية وهي أن للجبال قمتين : قمة راسية في أعماق الأرض كقاعدة البناء ، وقمة صاعدة شامخة في آفاق السماء . « وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً » وهناك علاقة بين الحديث عن الجبال وبين الحديث عن الماء
--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 400 . ( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 416 - 417 . ( 3 ) تفسير القمي : ج 2 ص 132 .